السلمي
366
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
ضربا في الأرض ، أي لا يمشون لاعبين ولا لاهين ، يحسبهم الجاهل أغنياء من شدة عفافهم وغيرتهم على فقرهم ، لا يعرفهم ولا يعرف طريقهم إلّا من هو في درجتهم وعلى طريقتهم ؛ يعرفون بسيما العبادة . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يقعد معهم ويأنس بهم . لا يلبس [ ون ] المرقعة والملوّنة من الثياب لا يسألون الناس إلحافا . لأن ألسنتهم [ غنيّة ] عن سؤال من يملك الملك رضى بما يجري عليهم ، فكيف تنطق ألسنتهم بسؤال العبد ؟ وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقعد معهم ويأنس بهم حتى قال له بعض رؤساء العرب : « اطرد هؤلاء العبيد والفقراء عنك لنقعد إليك » . فهمّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك فأنزل اللّه تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ « 1 » . . . الآية . وقوله : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا « 2 » ، فقام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقعد معهم وقال : « الحمد للّه الذي امتنّني حتى أقعد مع قوم من أمتي ، معكم المحيا ومعكم الممات » « 3 » . فهذا هو طريق التصوف لأنهم قد لقبوا أنفسهم بالفقراء . وهكذا كانوا أصحاب الصفة الذين إليهم انتماؤهم [ و ] قدوتهم ولهم في فقرهم آداب كثيرة نذكر منها أطرافا : [ التأدّب بإمام من أئمة القوم ] فمن آداب الفقر ومواجبه : التأدّب بإمام من أئمة القوم والتخلّق
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 52 . ( 2 ) سورة الكهف : 28 . ( 3 ) في سنن أبي داود حديث نحوه : « الحمد للّه الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم » .